( نِساءٌ صَغِيراتْ )
.
.
إنه عاميَ التاسعُ والعِشرونْ!
ويتفشّى الحنينُ في رُدُهاتِ ذاكرَتِي كما أعتادْ!
.
.
هذا المساءْ
تقاطرتِ المشاهِدُ من أطرافِ فستانِيَ الأبيَضْ وأنا أجرّبُ ارتداءَهُ
بعدما أعْمَلَتْ فيه أختي (ميم) فنونَها الجميلة!
كان أبِي يُحبُّ هذا اللونْ!
يقول لي ونحن نَجْتالُ في الـمَحالِّ
ونُنَقِّلُ أنظارَنا في التماثيل خلفَ زُجاج الواجِهاتْ:
الأبيضُ يناسبُكِ كثيرًا .. يجعلُ وجهَكِ مُنيرًا يا عبيرْ !
..
قبلَ رحيلِهِ بِشَهْرَينْ
ابتاعَ لي فُستانًا أبيضَ اللّونِ من الحريرِ الباهِضْ.
وبينما أتفحّصُ خياطَتَه الدّاخليةَ وسَماكةَ القُمَاشِ
كـَ حائكةٍ مُحترفةْ!
وأقلّبُ بطاقةَ السِّعرِ كامرأةٍ فاهمةْ
همسَ لي : خُذيه عاجِلاً ..ولا تُبالِيْ!
غيرَ أنّي فردٌ صغيرٌ في عُصبةٍ خُلِقتْ لتُباليَ بأدقِّ التفاصيلْ!
.
.
كنتُ أتأففُ مرارًا خلالَ اليومْ
لأنّ أبي لا يُدركُ كم نحنُ في حاجةٍ لبعضِ الفوضى والعبَثْ!
فيما الأعمالُ الجماعيةُ وحدَها ..
مَعمعةٌ من (اللخبطةِ) العارمَةِ الحميمةِ التي أدركْتُ حِكْمتَها حينَما كبُرتْ.
هل قُلتُ : حينَما كبُرتْ!؟
أوه , لا .. فأنا كبيرةٌ منذُ ذاكْ!
.
.
وابتداءً منَ :
الحُضورِ الفاعلِ في مَجالس الشورى العائليةِ الطارئةْ.. وغيرِ الطارئةْ!
وترتيبِ المكتبةِ وتصنيفِ الكُتبِ بِحسْبِ الاعتباراتِ المُنهِكَةِ للذِّهنْ,
وإفراغِ أشرطةِ القَصَائد - بخطٍّ منمّق - في كُرّاساتْ !
ومجموعةِ التوجيهاتِ السُّلوكيةِ المرهقةِ للأعصابِ في قائمةِ الوَصايا الأبوية!
خاصةً .. فيما يتعلَّقُ بالتعامل مع ذلك الصَّنفِ الوَقِحِ من الناسْ!
.
وانتهاءً بـِ :
أخْذِ دَورٍ في إيصالِ جَدِّي عصرًا للمَسجِدِ المُجاورْ
وحمْلِ المشترياتِ من السيارة للطابقِ الثالث دونَ مِصْعَدْ
ونقْلِ النُّفاياتِ آخرَ اليوم إلى مَكَبِّ القُمامَةِ القَريبْ
يستوي في ذلك الفِتْية والفَتَيات؛
لم تَكُنِ الأعمالُ التي نُكلَّفُ بها عادةً مما يناسبُ الصِّغارْ!
..
إلاّ في عُرفِ أبِي
فالكلُّ في عُصبتنا كبيرٌ لـِ يكون صديقًا لوالديه ..
و.. عضوًا فاعلاً
و.. يعمل!
.
.
(نحيا الحياةْ .. تَمضي الحياةْ)
قالَ أبي حينَ سمِعَها للمرةِ الأولى:
ارفعوا صَوتَ التِّلفازْ
وأصْغُوا للكلماتِ بتأمُّلْ!
أليست قصيدةً عميقةً؟!
.
.
ولأنّ أبي المقدَّسَ يَراها جميلةً
بقينا نرفَعُ صوتَ التِّلفازِ دونَ أن نَكترِثَ لـِ (عَميقةْ) !
وظلَلْنا نُغَنيها معًا في السيارةِ والبَيتِ والمزرعةْ
ويكفينا أن يقولَ لَنا : هيّا نُغنّي
لنهتفَ كُلُّنا جَذَلاً:
(نحححيا الحياااةْ) !
هل تَعرفُونَ كيف نُصبحُ وَسِيمينَ مِن الداخِلْ!
هذه أسئلةٌ من الأزمنةِ المتألّقَةْ!
وإجاباتُها لا تُلقَّنُ في المدرسةْ
أو تُحشى في الأدمِغَةِ حشْوًا
بل تتحركُ أمامَنا بِصَمتْ
في صورةٍ بَهيةٍ .. اسمُها (أبي)!
ولذلكَ
استغْرَقْنا زمنًا أطولَ لنشْرحَ إجاباتِها لـِ (هاء) الصغيرةِ
التي لا تحمِلُ لِوالدي أيةَ ذِكرى حيّةٍ حقيقيّةْ
غيرَ أنّا جميعًا كنّا كبارًا لِنَصل بِها إلى الإيمانِ بأنّها ابنةُ أبيها
وحين تسألُنا عنهُ مَنْ يَكونْ؟
نحكي الحكايا التي تقولُ لها بدلاً عنّا:
إنه الرَّجلُ القادرُ على إغراقِكِ في الدَّهشةْ!
هكذا بِبَساطةْ!
.
.
ثمَّ نُرنّمُها بأغنيَتِنا الفارهَةْ!
.
.
حين تَحَدَّثْنا ذاكَ المساءَ عن الطُّفولةْ؛
بدا لنا سُلوكُ لِداتِنا منذُ الابتدائيةِ سَخِيفًا وسَطحيًا وغيرَ لائقْ,
لعلَّهُ كانَ على الجميعِ التصرُّفُ بنُضْجٍ أكثرَ لئَلاّ نَمتعضْ!
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ